الأحد، 9 يونيو 2024

المثلث الإبراهيمي

 

كتبت: فاطمة درويش

     في البدء كانت "كلمة" والكلمة خلفت "فعل" ومنه تجمعت  الـ "جملة" ومن الجملة تشعبت لإختصارات أو زادت لتكون "مصطلح" وكبرت لتكون " مفهوم" وعادت وتبلورت لتكون "مذهب". وخير دليل اللغة السامية تُعَّرف من أقدم اللغات وانبثقت منها العديد من اللغات المعاصرة مثل العربية والعبرية. وأخرهم اللغة اللاتينية وتنبثق منها عدد من اللغات اشهرها الإنجليزية، ناهيك عن اللغات الأفريقية. وفي اليهودية قصة مشهورة "برج بابل" عن تنوع اللغات. موجز القصة البشر تشاجرون على الزعامة وانتهت ان الرب بنى لكل قوم سور وحدد لهم الأرض.

    واليوم وفي ظل السرعة انتقال المعلومات وترجمتها، والإستغناء عن الفرد من خلال العقل الألكتروني، ليحاول الغرب تهديد البشر بوجود مخلوق اخر ينافس البشرية في تكوين تاريخ؛ وكائن العلم هو منبر الإنسان وفي الوقت ذاته هو سلاح دمار لكل من لا يتخذه راية للحياة. ويحق للعلم أو مركز القوى ابادة الإنسان في أي وقت من خلال العلم والتطور الأخير. وخير دليل وظيفة "المترجم".

   ربما أن يكون المترجم ساهم في الآثم لمجرد أنه يريد ابراز شخصيته في النص المُراد ترجمته كما ساهم في نشر ثقافة قد تكون منافية وتصل إلى انهيار عقيدته ومعه أُمته؛ وكل هذا حتى يستخدم المواطن الجمالية وثوب الفضيلة ليغزي النص وإليكم الصدمة الكبرى والتي يعيشها في اوطاننا العربية فعقب أحداث طوفان غزة في السابع من أكتوبر 2023، فقد رأينا العديد من العرب مناهضين إلى اخوانهم العرب ومؤيدين  للصهيوينة ومملكة الرب اليهودية التي تعمل على ابادة أخوانهم من أجل فتح باب النبوة وتنفيذًا إلى سيناريوهات "الخلاص" الليبرالية الممزوجة بصفات دينية وتحديدًا المسيحية الغربية (البروتستانية الجديدة) ومعها اليهودية. وتسعى لإشعال نار الفتن وتسميتها :" ها قد حان وقت الخلاص". وفي الحقيقة يحث الإسلام على خلاص الفرد عقب فصل الروح عن الجسد "أي موت "، أو خلاص جماعي أي "يوم القيامة".

فأذكر في مجال دراستي أني حصلت على تقدير "جيد جدا" لدرجة الماجيستير في الـ 300 صفحة لرسالة. واعتبر أن الدرجة أتت من أمران: الأول: كانت اجتهاد في ترتيب "الدوائر الكونية" القبالية (السفيروت)، وهو أمر يرفضه الحاخامات لآن الترتيب لا يمكن النقد عليه- ولكني لست يهودية من الآساس- واصابتني هالة من النقد من خلال المشرفة الرئيسية على اعتبار احترام الدين واجب ولكني أكدت أنه دخيل وتأثير من ترتيب الإلهة في الحضارة الأغريقية القديمة وتبنه الفكر "الغنوصي". لكن الدكاترة اتهمتني وقتها أنه مطمع شخصي لوصول للعالمية والشهرة(وهو أمر بعيد كل البُعد عني وأنني صرت قبالية مثلهم) ، وإضافوا: يجب على المترجم  أحترام الأخر وممكن التغاضي عن ما لم يقبله عقلك لحصول على الدرجة؛  لكني تشبثت برأي (ومكثت 6 سنين لمناقشة). وكان الأمر الثاني لتقدير شرط المشرف المتخصص على الرسالة، أما التحليلل أو النقد مع عدم اظهار الترجمة في المتن فكان يشجعني على تسجيل الاعتراضات كمسلمة تارة وكباحثة علمية تارة أخرى-  وهذا أهم شيء.

   وعلى الصعيد المحلي، انشغل المصريين بالحديث عن المركز العلماني "تكوين" وتوحيد الأديان الإبراهيمية، على أساس نشر السلام في منطقة الشرق الأوسط الجديد، وللتوحيد واستقطاب وحذف العديد من المفاهيم والمذاهب لكل دين سواء اليهودية والمسيحية والإسلامية، لكي يتحرر الدين ليواكب الفرد لتناسب عام 2024 والتقدم التكنولوﮀي. وهذا يعتبر اعتراف بالحياة وحق اليهود في التنقل والتعايش في الشرق الأوسط وسط الأقطاع العربية خاصة وكأن اليهود يدورون الحياة المرفهة ما بين الممالك الإسلامية في القرون الوسطى ولكل جد 14 يزور قبره ويتذكر امجاده في بلادنا.

   أذن فرض علينا الواقع الغربي لآنه منبرً للعلوم دربان: وقت الحرب يكون "الخلاص" هو الشعار، والإبادة المسلمين سواء الهند في أو فلسطين أو السودان-  وقت السلام يكون "الحوار السلمي لتوافق الأديان" "التكوين".

   وأول ما يعيق هذا المركز "ترجمة النصوص" وخاصة مثلث العقيدة الثلاثية لثلاث أديان حيث أن لكل جملة تتكون من: فعل، و،فاعل، ومفعول به. ففي اليهودية نقول: رب، وشعب، وأرض. وفي المسيحية : الأب والأبن و"روح القدس"، في الاسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، المؤمن ومعرفته لأنبياء لله المذكورين والإيمان بالغيبيات، وأخير كل الأمم يبعثون في يوم الحساب– ولا يمكن انتظار الحاسب الآلى لترجمة المثلث في عقول الشعوب العربية – بل هل ننتظر مركز "تكوين" لحل الأمر.

أم أن الأمر برمته جاء من مصر بعد رفض فضيلة الأمام الشيخ أحمد الطيب المشاركة في الإمارات لمشروع مجمع الأديان، رغم موافقة مصر إلى سلسلة الإتفاقيات التطبيع!!! أم أن هذا المركز هو أطار وهمي لتطميع إسرائيل  في الشرق الأوسط لوقف الحرب والتفكر في الغنائم الثقافية والأقتصادية من الدول العربية؟ وهل ما يفعله الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة يمثل اي من الأحترام الى اخواننا المسلمين المدنين في قطاع غزة أو الضفة الغربية؟ أم هل ما قدم من مظاهر احتفال في مركز "تكوين" يدل على احترام لإسلام والمسملين؟

ويبقى المثلث الإبراهيمي لثلاثة أديان هو العقل الهائم بين مواطني من الشرق الأوسط.